الخميس، 10 مايو، 2012

فلم بوليسي



اتصلتْ به مرارا ولم يردّ، شعرتْ بالقلق فليست تلك عادته، إذ أنها بذلت جهدا كبيرا خلال السنة الأولى من الزواج في ترويضه بأن يرد عليها بعد ثلاثة رنات فقط، تماما مثل ما هو معمول به في الشركات المحترمة، وكل امرأة لا يرد زوجها على اتصالها فهو إما أصابه مكروه أو أنه مع ........ (أستغفر الله العظيم لا أدري متى ستنتهي مشكلة النساء الأزلية؟) عندما دخل البيت سألته مذعورة أين كنت؟ ولماذا لا ترد على اتصالاتي؟ وبسقطة لسان ودون أن تشعر قالت له: ما الذي ذهب بك إلى أبوظبي؟ لحظة لحظة لحظة كيف عرفتِ أني كنت في أبوظبي؟ أُسقط في يدها.. ها؟ آآآآ افترضت أنك كنت في أبوظبي لحظة لحظة لحظة (تعجبني لا تطوّفها) أنا بالفعل نسيت موبايلي في سيارة ابراهيم وكان متوجها إلى أبوظبي ولهذا السبب لم يتمكن من إرجاع موبايلي، ولكن كيف عرفت أن موبايلي ذهب إلى أبوظبي؟ طأطأت برأسها والتزمت الصمت فألهمه الله قائلا لقد أنزلتِ الخدمة التي تسمح لك بمعرفة مكان تواجدي عندما تتصلين بي.. أليس كذلك؟

بعد الظهر أرجع ابراهيم الموبايل وبينما كان الزوج نائما استغلت الفرصة في أن تفتش فيه، وبالمناسبة طقوس الزوجات في تفتيش موبايلات الأزواج تختلف ولا بأس في ذلك مادام القصد الحصول على ما يدين الزوج (وعلى نياتكم ترزقون) كانت عينها تبحث عن الأسماء الغريبة، أو التي تم حفظها بأسماء يقصد من خلالها خداع الزوجة، وهي حيلة قديمة تعرفها كل النساء، أول اسم استوقفها (منير) لم يذكر لها مطلقا أن لديه صديقا اسمه منير، إذا لا بد وأن تكون (منيرة) وليس (منير) اتصلت بالرقم ويا لهول الصدمة! ردّتْ عليها امرأة، صوتها رقيق وعاطفي، تتحدث بعربية ركيكة، وبعد شد وجذب وتحقيق قالت لها "منير ما في سوّي كلام بعدين" أستغفر الله العظيم لقد تذكرتْ إنه منير الكهربجي!! يا لسؤ الظن.. لكن ذلك لا يمنع من إعطاء سوء الظن فرصة ثانية لاكتشاف بعض جرائم الزوج، أخذت تقلب بين الأسماء سائلة الله التوفيق في أن تعثر على  شبهة فأرعبها اسم نسائي "كريستينا" اسم يبعث على القشعريرة اتصلت بها ولم ترد، في تلك الأثناء شعرت بأن الزوج يخرج من الغرفة قادما إلى الصالة، ألقت الجوال من يدها بسرعة وكأنها لم تكن تعبث به، وبمجرد جلوسه رن هاتفه، تسمّرت في مكانها إذ غاب عن ذهنها أن كريستينا التي لم ترد لابد وأن تعاود الاتصال، تناول هاتفا متساءلا باستغراب كريستينا؟ لم يرد وأدرك ما الذي كانت تقوم به الزوجة في غيابه، فقال لها كريستينا صاحبة الصالون، أما لماذا أحتفظ برقمها فلأني أتصل بها عندما تكونين عندها ولا تردّين علي.. ارتحتِ؟

بعد فترة اُضّطر مُكرها إلى إغلاق موبايله برقم سري، ليوقف فضولها في تفتيش الموبايل، اتهمته بأن في تصرفه هذا دليل على أن لديه شيئا يخفيه عنها، أبدا لكن عليك أن تحترمي خصوصيتي، ولأن إغلاق الموبايل كان دون سابق إنذار بدأت تظهر عليها أعراض انسحابية، تماما كتلك التي تظهر على مدمن المخدرات عندما تُمنع عنه فجأة، كان يعرف أن الفضول سيقتلها لمعرفة الرقم السري، وفي كل مرة يترك هاتفة ويرجع إليه يلاحظ أن يدا كانت تعبث به، لقد حاولت مرارا وتكرارا تخمين الرقم ولا فائدة، جرّبتْ كل الأرقام المحتملة، ولم يتبقَّ إلا أن تجرب رقم بطاقة الهوية للشغالة الجديدة، قال لها لماذا كل هذه المحاولات لمعرفة الرقم السري؟ أنكرت بشدة، وزعمت أنها منذ أن أغلق الموبايل لم تلمسه، لم يكن أمامه إلا أن يأتي بالدليل القاطع لإدانتها، فتح الايميل وقال لها انظري.. وإذ بها تشاهد صورها فسألته متى التقطت لي كل هذه الصور؟ ولماذا كلها متشابهة؟ ياطويلة العمر هذا تطبيق في الآيفون يلتقط صورة كل من يعبث بالهاتف دون أن يشعر ويرسلها على بريدي الالكتروني (حسيبج الله 143 محاولة ويا ليت صورة وحده عدلة ،كل الصور مطرطرة فيها عيونج؟!؟)

وتمضي الأيام والشهور.. ولاتجد ما تُسلّي به نفسها.. لأن هاتف الزوج مغلق، كم هي كئيبة الحياة ومملة، وذات يوم أخذت موبايله ووضعته على كرسي لم يعتد الجلوس عليه، وما خططت له نجح فقد أخذ الموبايل وجلس على نفس الكرسي، ولم يدرِ أن مرآة الصالة خلف ظهره وأنها قامت بتعديل زاوية المرآة ليتسنى لها مشاهدته وهو يتصفح الموبايل (هيه.. ها الحريم يوم يتكتكن ويشتغلن صح) بحركة تلقائية ضغط على أزرار الموبايل، ممتاز الخطة نجحت فقد استطاعت التعرف على الرقم السري من خلال المرآة، لم يكن يشعر بما يجري حوله وأنها كانت تراقبه، بعد دقائق ترك الموبايل أمامها على الطاولة وذهب لغرفته، استغلت غيابه وانقضت على الموبايل وضغطت على الأزرار التي رأتها... صرخت في داخلها صرخة النصر yeeeees ولأن الوقت ضيّق، وقد يرجع في أي لحظة ولابد من إنجاز المهمة بسرعة، ضغطت على sms (هاي الأيام يسمونها الرسائل النصية القصيرة) وقد كان شكّها في محله، فأول كلمة قرأتها هي (حبيبتي) ثم أكلمت القراءة وهي ترتجف: (حبيبتي مبروك عليك معرفة الرقم السري.. لم تكن حيلتك لتنطلي عليّ ،كنت أظنك أكثر احترافية، عموما لديك عشر دقائق لتفتشي في الموبايل كما تحبين، ولن تجدي شيئا، أتعلمين لماذا؟ لأنني أحبك ومخلص في حبي لك،بعد الانتهاء قومي بالنداء عليّ كي أضع رقما سريا جديدا، على فكرة صديقي ابراهيم أرسل لي نكتة جديدة عن المحششين بإمكانك الاطلاع عليها ...تحياتي)
لمتابعة كتابات ومقالات الكاتب على تويتر


الخميس، 22 مارس، 2012

الحنّا ... وما أدراك ما الحنّا !!


بقلم: عبدالعزيز بن حارب المهيري

         اشتاق لأن يرى الحنا في يدي زوجته، ولأنها زوجة صالحة تريد أن تكسب رضا الزوج رحبت بالفكرة، انتظرها خارج الصالون وعندما انتهت قفز من السيارة مسرعا ليفتح لها باب السيارة، فهي لا تستطيع فتح الباب لأنّ في كلتي يديها حنا، ولأنه زوج شاطر ومحترف يعرف واجباته كزوج لم ينسَ أن يلتقط عباتها ويدخلها السيارة قبل أن يغلق الباب (سببان يدفعان أي رجل لفتح باب السيارة لزوجته، أن تكون الزوجة جديدة أو أن السيارة جديدة) قال لها: أشوف الحنا.. يا سلام شو ها الحنا الغاوي؟ حبيبي ما عليك أمر إذا بتعدّل شيلتي؟ حاضر من عيوني (يا عيني على الروح الرياضية بنشوف آخر المقال شو بيستوي بك!!)

        أن تتحنى المرأة فهذا يعني أن تكون على أهبة الاستعداد في جميع المواضع والحالات التي تستخدم فيها يديها، بدءا من حمل شنطة يدها، ثم فتح باب الصالة لها، وتعليق الشيلة والعباة نيابة عنها، وإحضار كأس الماء ومساعدتها على الشرب، وتمسح جبهتها (الهانم تعبانة من حرّ الصالون) وليس انتهاء بإزالة شعرات قصتها عن عينيها، كل هذا مع الحذر الكامل من أن تلمس يديها بالخطأ فتخرّب الحنا (محّد قالك انت اللي طلبت إنها تحنا)

       ألقى بنفسه على الكنبة ليلتقط أنفاسه، فقد قام بمهام لم يعتد عليها، وما هي إلى ثوانٍ  حتى رن موبايل ست الحسن الأميرة قمر الزمان، طلبت منه أن يضع السماعة على أذنها، اقترح عليها أن لا ترد الآن، قالت له مستحيل إنها أمي وقد تقلق عليّ إذا لم أردّ عليها، متأففا حمل الموبايل وقربه من أذنها، وأخذت تتحدث إلى أمها، ظنّ أن الموضوع لن يطول (ها ها هئه حبيبي حرمة تكلم أمها في التلفون هذا ويهي إذا خلصت) شعر بخدرٍ في يديه الاثنتين فقد كانتا تتعاقبان على حمل الموبايل، رجاها هامسا أن تنهي المكالمة، لكنها أشارت إليه أن انتظرْ قليلا، فهي لا تستطيع إنهاء المكالمة بشكل مفاجئ فقد تزعل أمها عليها، بعد خمسة وأربعين دقيقة أشار إليها بأنه بحاجة ماسة إلى أن يذهب إلى (.....) والأمر لا يحتمل الانتظار، ليتكم تستطيعون مشاهدته.. مسكين .. بوادر دموع ستنزل من عينيه.

       هل انتهينا؟ لا ليس بعد.. إنه وقت تناول العشاء.. أكثر ما كان يغيظه أنها كانت تريد منه أن يطعمها بيده وفي نفس الوقت أن يتبسط معها في الحديث ويسولف (الهانم متفيجة) وهو جائع يريدها أن تنهي طعامها ليتفرغ هو للأكل، الأمر الآخر الذي كان يغيظه طلباتها الغريبة (حبيبي لو سمحت بغيت سلطة فتوش بس في كل خاشوقة سلطة.. حِطْ لي قطعة الخبزة المحمصة مال الفتوش) لا مفر من أن يلبي لها ما تريد لأنه هو الذي جنى على نفسه وطلب منها أن تتحنا، الطامة الكبرى أنه عندما هم بوضع لقمة في فمها عضت إصبعه... من باب المداعبة طبعا (أخواتي احذرن لا تمزحن مع الزوج وهو جائع) عندما عضت إصبعه كانت لديه رغبة عارمة في أن (يرقعها بُكْس) مشابه للبكس الذي تلقاه على يد بتّاني اختلف معه ذات يوم قبل أكثر  من عشرين سنة.

       استأذنها في أن يذهب للصلاة، طلبت منه أن لا يتأخر فهي لا تستطيع أن تبدّل بين القنوات إذ لا تقدر على مسك الريموت بيدها، أخذ يضغط على أسنانه بعصبية وينافخ (طلع الحنا أغلى من بيع السوق) لمعت في باله فكرة جهنمية بما أنه ذاهب للصلاة لم لا يدعو عليها ودعاء المظلوم مستجاب، استعاذ بالله من الفكرة فقد تذكر أنها زوجته (يعني تقريبا وحده من العايلة !!)
        بعد أسبوع من الحادثة التي عُرفت فيما بع بـــ  (الحنا جيت) رجع إلى البيت وطرق باب الصالة برجله، وأخذ ينادي عليها من خلف الباب لتفتح له، استغربت تصرفه لأن لديه نسخة من المفتاح فلماذا لا يفتح لنفسه، هل ضيع المفتاح يا ترى؟! فتحت الباب ويا لهول المصيبة كان يقف أمامها مبتسما ابتسامة عريضة رافعا يديه كمن يكبر تكبيرة الإحرام  وفي يديها ماذا؟ صَحْ حنّا...  ولسان حاله يقول: (شو رايج في المفاجأة؟ حلوة لاه؟) يادي الكسوف يا دي الفضيحة أخبي وشي فين يا اخواتي؟ ريّال ويتحنى؟! وهل تشاهدين في يدي نقشة هندية حتى تلطمي؟ لقد تحنّيت (غمسة) لأسباب صحية لتقوية النظر وللتغلب على الفطريات، المهم الآن خذي الورقة التي في جيبي احفظيها جيدا فيها سبعة وثلاثون مسألة أريدك أن تساعدينني فيها إلى أن أزيل الحنا من يدي!! ثم أطلق زفرة متألما قالت له: ما بك؟ أجابها: حنّا رشناه يحرق.. أظني يحطون فيه بترول!!

الخميس، 1 مارس، 2012

لعنة كيس الزبالة


بقلم: عبدالعزيز بن حارب المهيري

لا أحب هذا الصنف من الرجال.. قال لها في السنوات الأولى من زواجنا سنسكن في شقة، فوضْعي لا يسمح بأن أبنيَ أو أستأجر بيتا، قبِلتْ فما باليد حيلة، لمْ تسألوني لماذا لا أحب هذا الصنف من الرجال؟ لا أحبه لأنه لا يستطيع بناء بيت، لكن لديه القدرة في أن يتزوج من أخرى .............................................................. (تركتُ المساحة السابقة فاضية لأفسح المجال أمام أخواتي السيدات ليشتمن الرجل ما شاء لهنّ أن يشتمن) هو لم يتزوج فحسب بل أسكن زوجته الثانية في نفس العمارة، وتحت شقة الزوجة الأولى، دون أن يخبرها بزواجه من أخرى، عرفتم لماذا لا أحب هذا الصنف من الرجال؟ أكرهه أكرهه.. عليه من الله ما يستحق (أبرئ ذمتي من فعله)

(المهم الحبيب وهو نازل من عند الأولى خطف على الثانية، وهو طالع حقّ الأولى مرّ يسلم على الثانية ..ساير راد) المسكينة أم عياله المرأة المؤمنة المصلية الصابرة ..كانت طيبة إلى درجة أنها تصحبه إلى باب الشقة، تودّعه وتبتسم له، وتدعو الله أن يوفقه في يومه، يبتسم لها مجاملا ثم في أقل من دقيقة يبتسم ابتسامة تصل إلى شحمتي أذنيه عندما يقف أمام شقة الثانية.. عليه من الله ما يستحق.

مدةً طويلة وهو على هذه الحال، تقولون ألم تشك زوجته الأولى فيه ولو للحظة؟ أبداً فقد كان مضبطا أموره تمام التمام، ولديه قائمة من الأجوبة المنطقية والشيطانية لكل سؤال، مثلا مثلا إذا شاهدتْ سيارته أسفل العمارة ولم يكن متواجدا في الشقة، اتصلت به مستفسرة عن مكان وجوده، تعلمون ماذا كان يفعل؟ كان يفتح نافذة شقته الأخرى ليوهمها بأنه في مكان مفتوح قائلا حبيبتي ذهبت للصلاة مشيا على الأقدام، تعرفين طبعا المشي إلى المسجد فيه أجر (حرامي واحد جذاب آخر مرة شافوه يصلي كان في رمضان 2007 لا وياي متأخر عن الصلاة بعد!!)

في يوم من الأيام قال لها بأنه مسافر في مهمة خاصة إلى القاهرة ولمدة خمسة أيام، كان بالفعل في مهمة خاصة وكان أقرب مطار للسفر الشقة اللي تحت، وللأسف تعطلت الطيارة، وأقرب موعد لطيارة بديلة بعد خمسة أيام، الأيام التي قضاها في الشقة السفلية عاش فيها كأنه ملك زمانه، وكان يتصل بالأولى يوميا ويتحدث إليها بنبرة صوت مرتفعة كما يفعل البعض عندما يتحدث من خارج الدولة، ومبالغة في التمثيل كان يختم مكالمته بسؤالها إن كانت تريد شيئا من القاهرة.

في ليلة من الليالي طلبت منه زوجته الثانية أن يخرج لرمي كيس الزبالة ولأن الوقت متأخر ليلا، ولا حركة لساكني العمارة، تجرأ أن يخرج بوزار وفانيلة (الوزار أزرق كاروهات لكن ليس ماركة بربري بل مِدْراسي) رمى الكيس أسفل البناية، وركب المصعد عائدا إلى الشقة دق جرس الشقة وتأخرت في فتح الباب، في هذه اللحظة كان لديه إحساس بأن السر الذي أخفاه مدة طويلة سيفتضح هذه الليلة، لقد جرّب مرارا عندما يخاف من شيء فإنه يقع بالفعل، لم يكن واهما فقد سمع مؤخرا أن الإنسان يجذب لنفسه الأحداث السلبية التي يفكر فيها، أخذ يهز رأسة يمنة ويسرة  مثل الأطفال عندما يريدون أن يُصحّحوا خطأ وقعوا فيه، ولكن دون فائدة فلا يستطيع أن يفكر في فكرة غيرها ، انتفض لصوت المصعد الذي بدأ بالتحرك نزولا بالضبط مثل أفلام الرعب، إذ لابد من مصعد تدور حوله الجريمة، وقف المصعد في نفس الدور الذي هو فيه، كانت واجهة المصعد زجاجية غير شفافة بحيث يمكن أن تعرف أن شخصا بداخله دون أن تتبين ملامحه، كان واضحا أن في المصعد سيدة مواطنة ترتدي العباءة، العلامة الثانية غير المبشّرة أن طول وعرض السيدة نفس طول وعرض زوجته (اللهم صلي على محمد شويه متكتكة ومليانة وهذي ضريبة أن تكون شقتك بالقرب من مطعم المرحباني للمندي) المصيبة الأكبر أن السيدة تحمل حقيبة يد صفراء، لكنْ لا تسر الناظرين، مشابهة تماما لحقيبة يد زوجته (قومب... هذا هو يبلع ريقه) طوال عمره كان يسمع عبارة (ترتعد فرائصه) ولا يعرف معناها، اليوم فقط عرف مكان الفرائص، وبينما هو يدق الجرس بعصبية، فُتح باب المصعد بشكل بطيء محدثا صريرا (جاك الموت يا تارك الصلاة.. تستاهل.. حسيبك الله من 2007 ما صلّيت؟) ويا للكارثة!! خرجت السيدة التي كانت داخل المصعد وإذ بها ليست زوجته تخيّلوا!! (عفوا كنتم تنتظرون أن تكون زوجته الأولى؟ صدْق إنكم شرّيرين!!) فتحت زوجته الباب، فقذف بنفسه داخل الشقة وهو يلتقط أنفاسه، سألها معنّفا أين كنتِ؟ ساعة حتى تفتحي الباب؟! وأنتَ تأخرت أين ذهبتَ؟ قلت لك أنا ذاهب لرمي كيس الزبالة.. لا لم تقل لي أنك ذاهب لرمي كيس الزبالة، آخر مرة قلت لي أنك مسافر خمسة أيام إلى القاهرة؟ يا لَهْوووووي.. يا سنا سوحه.. يا دي النيله يا دي النيله (الريال مخّه متبرمج.. بالغلط سار شقة الزوجة الأولى بوزار وفانيلة) كان سؤالها له بمثابة الصعقة الكهربائية، في احدى الروايات يقال بأنه بدا وكأنه هيكل عظمي بجمجمة عندما فاجأته بالسؤال، صحيح أني لا أحب هذا الصنف من الرجال (لكن صراحة غمضني وتعاطفت وياه)

لم يكن أمامه إلا أن يمثّل أنه أُغمي عليه، ليفكر في جواب مقنع عن سبب مجيئه بوزار وفانيلة، عندما سقط على الأرض ظنت أن مكروها أصابه فهرعت إليه توقظه وتطرق خده بيدها، ولأن قلقها عليه كان كبيرا كان تطرق خده بقسوة دون أن تشعر، أفاق من غيبوبته الكاذبة لا لأنه توصل إلى جواب مقنع، بل من (التّصفّيع اللي ياه... من أيام الابتدائي ما تصفع جذه) سرقوني يا زوجتي سرقوني... كيف سرقوك؟ ولأنه لم تكن لديه الفرصة للتفكير في تفاصيل السرقة أغمي عليه مرة أخرى، أخذت تضربُ خده مرة ثانية، أفاق منزعجا من سيل اللطمات التي تلقّاها (يا بنت الناس خفي ايدج شويه، جلعتي الجسر اللي مركبنّه في ضروسي.. هاتي لي بصل عشان أنتبه) ولكنك تتحدث إليّ؟! ها آآآ آآآ أغمي عليه مرة ثانية، أحسّت بأنه يكذب، صمتت لحظة لترى إلى أين سيصل بهذه التمثيلة البايخة، عندما أحس بالهدؤ حوله فتح عينه اليمنى خلسة لتقع على عين زوجته التي كانت تحدق فيه، انكشفت كل الأوراق، نهضت بهدؤ إلى باب الشقة وأحكمت إغلاقه، قالت له اجلس، فجلس مذعنا وكأن ليس به شيء، سألته بلهجة حازمة

-      كم رقم شقتها؟

-      شقتها أيّ شقتها؟ (عافانا الله من الزياغ حتى الرمسة مخبّقة)

-      لن أعيد الكلام .. كم .. رقم .. شقتها؟

-      الصدق منجاة شقة 207  (هاتي لي ماي ريجي ناشف)

-      اجلس إلى أين أنت ذاهب؟

-      إلى المطبخ كي أحضر ...

-      تحضر ماذا؟

-      يعتمد.. ما هو الأسهل بالنسبة لك في الاستخدام.. السكين أم الساطور؟!




الخميس، 23 فبراير، 2012

بيور بلاك


بقلم: عبدالعزيز بن حارب المهيري
عندما قال لها ما رأيك؟ كان يظن بأنها ستفرح عندما تشاهده وقد صبغ لحيته، لكنها ظلت لثوان تتأمل وجهه، ثم سألته بملامح جادّة ما الذي تخطط له؟ أبدا أحببت أن أتزين لك. تتزين لي أم تتزين لأخريات؟ أستغفر الله ماذا تقولين؟ لقد صبغتُ لحيتي لأنك أنت التي طلبت مني ذلك.. لقد كنتُ أختبركَ وللأسف رسبتَ في الاختبار.. ما اسم هذا الصبغ؟ بيور بلاك.. بيور بلاك ما شاء الله!! والله وقمت تعرف بيور بلاك!! المهم الآن أخبرني هل تمّ توظيف موظفات جديدات في القسم الذي تعمل فيه؟!

يا بنت الناس استهدي بالله، أنا في آخر عمري أفكر في هذه الأمور؟ ولم لا.. ألستَ رجلا؟ لا لستُ رجلا.. ماذا؟ (الخوف يدفع الرجل أحيانا إلى التنازل عن رجولته طوعا) أقصد أنني تجاوزت الأربعين، يعني راحت عليّ، تجاوزت الأربعين ها؟ بعد الأربعين الرياييل يستخفون، ألم تسمع بالمراهقة المتأخرة؟ أرجوكِ أريد أن أنام، غدا بإذن الله سأصبغ شعري بالأبيض كي ترتاحي، ومن سيسمح لك بالنوم؟ لن تشرق شمس الغد حتى أضع حدّا لهذا التصابي.

جلس أمامها وهي تقرأ عليه لائحة الاتهام أولا منذ فترة وأنت تبالغ بالاعتناء بهيئتك، تبالغ في شراء العطور الثمينة بعد أن كنت تشتري العطور من أرفف الجمعية، ثانيا تترنمُ بينك وبين نفسك بأغاني عبدالحليم وأنت الذي طوال عمرك لم تطرب إلا إلى بالروغة، ثالثا عندما أتسوق معك وتمرّ بجانبنا نسوة كنت دائما تحاول شفط كرشتك (كان يشفط كرشته إلى أن ينقطع نفسه) وأخيرا القاصمة الكبيرة وثالثة الأثافي (للأمانة هي لم تقل ثالثة الأثافي أنا الذي كتبتها، الله وكيلكم حافظنها من سنة أنتظر المقال المناسب لأكتبها) القاصمة أنك صبغتَ شعرك وليتك صبغته بالبني أو ما شابه لكان الأمر هيّنا، لكنك للأسف صبغته بيور بلاك! ألا تستحي؟! رجل في مثل سنك وتصبغ شعرك بيور بلاك؟ ماذا تركت للشباب الصغار؟ تركتُ لهم الـــ دارك براون!!

قال لها وما المشكلة في أعتني بمظهري؟ بل كل المشكلات في أن تعتني بمظهرك، فمؤكد أنك ستلفتُ نظر النساء إليك، الرجل الأنيق فريسة سهلة، افففف وما المطلوب مني الآن؟ كُفَّ عن المبالغة الزائدة في التزيّن، لا داعي لأن ترش ثيابك بالعطر ثلاث بخات في كل مرة، رشة واحدة تكفي ومن بعيد، ويفضل أن يكون العطر من النوع الرخيص الذي يُشترى بالجملة، سنوات وأنت تستخدم عطر بو حبيبين لماذا توقفت عن شرائه؟ ثم ما الذي يمنع من أن ترتدي الكندورة لأربعة أيام متتالية؟ بالعكس كثرة غسل الثياب وكيّها يفسدها، صحيح أنني أحبك أنيقا لكن أحبك أكثر عندما تكون مبهدلا ومحوحواً.

لم يكن شكّها ليتوقف عند هذا الحد، فقد قامت بمهمة أشبه بـــ (mission impossible) عندما اقتحمت عليه الدوام مرتدية النقاب وهي أساسا لا ترتدي النقاب، وأخذت تتجسس من بعيد لتتأكد من أنه يمشي على العجين ما يلخبطوش، ولم يخب ظنها، والشكوك لم تكن أوهاما بل حقيقة مؤلمة، إذ وقعت عليه وهو يقع في الجرم المشهود، فقد سمعته وهو يرد التحية على موظفة قالت له صباح الخير، فردّ عليها بكل جرأة ووقاحة صباح النور قالها وهو يمرّر أصابعه على لحيته المصبوغة بيور بلاك، ألم أقل لكم أن لا أمان من الرجال!!

وظل المسكين مدة طويلة يعاني من نظرات زوجته المرتابة كلما وقف أمام المرآة، كان يعلم ما تفكر فيه، لكنه لا يملك أن يدفع عن نفسه شكوك زوجته، ثم فجأة توقفت الزوجة عن الشك ولم تعد تسأله وتُحقّق معه مثل السابق، بل كانت أحيانا تساعده في العناية بنفسه، شعر بالارتياح بسبب تغيّر سلوك زوجته تجاهه، وقال في نفسه مؤكد أنها اكتشفت أن ظنونها أوهام لا حقيقة لها سألها

-        حبيبتي لم تعودي ترتابين فيَّ؟

-        أنا واثقة منك

-        الحمد لله

-        البركة في دلال

-        دلال من؟

-        الموظفة التي معكم في القسم

-        وما علاقتها بالموضوع؟ ثم من الأساس أنت لا تعرفينها؟

-        تعرفت عليها فأصبحت صديقتي

-        لماذا؟

-        لماذا ماذا؟

-        لماذا تعرفتِ عليها أساسا؟

-        يا سلام !! ومن سيأتيني بأخبارك إن لم تكن دلال؟ هل تصدق دلال هذه امرأة طيبة وحبّوووووبة كل يوم تتصل لتُخبرني عنك

-        مستحيل!! مستحيل ما أسمع.. وأنا الذي كنت أظنك وثقتِ بي

-        ماشي أمان من الريال اللي يصبغ شعره بيور بلاك، ويكون في علمك أنا سكت عنك لأنه لين الحين دلال تقول إنك مصطلب وريـال، خربط بس شوي وشوف شو اللي بيستوي بك.. بيور بلاك ها؟!



الجمعة، 30 ديسمبر، 2011

هدية الكريسماس


بقلم: عبدالعزيز بن حارب المهيري

نادى على الشغالة لتساعده في حمل الهدية التي أحضرها لزوجته، والتي اشتراها مستفيدا من العروض التي تقدم عادة في مثل هذه المواسم من كل سنة، لم يغلّفها فحجم الهدية الكبير يشفع له في أن يقدمها كما هي دون تزيين، نادى عليها يازوجتي الغالية انظري ماذا أحضرت لك، وقفت مستغربة لأنه ليس من عادته أن يحضر لها هدية في غير ذكرى الزواج، لم ينتبه لردّة فعلها السلبية لأنه في الأساس اشترى الهدية لنفسه، وحتى يبرّر فعلته زعم بأنه اشترى الهدية لها، تخيلوا في ذكرى زواجهما قبل سنتين اشترى لها عدّة وأدوات صيانة، قالت له وماذا أفعل بها؟ فأجاب إن لم تستفيدي منها فربما أستفيد أنا منها (لاحظوا الدجّال المخادع يقول ربما!!)

يا ترى ماذا أحضر لها هذه المرة تلفزيون LED  مقاس 46 بوصة والذي تستطيع من خلاله تصفح شبكات التواصل ومشاهدة اليوتيوب، المشكلة أنه لا يكتفي بإحضار الهدايا لها ويستفيد هو منها، لكن لديه (طبع خايس) فهو كثيرا ما يتمنّنُ عليها بما يحضر لها من هدايا، قال لها مرة لماذا لا تضعين في يدك الخاتم الذي اشتريته لك قبل خمسة عشر عاما وسبعة أشهر بألف وثلاثمائة وخمسة وسبعين درهما؟!! وعندما اشترى غسالة ثياب جديدة أخذ يردد على مسامعها شهرا كاملا... الغسالة الجديدة تزيل البقع وتجعل الملابس أكثر بريقا!!

أما هدية اليوم فالله وحده يعلم كم سيتغزل فيها، وكما هو متوقع فقد أصبح كل شيء في حياتهما مقترنا بالتلفزيون الجديد، قال لها أحضري لي "بوب كورن" أو "ناتشجوز" سألته مستنكرة منذ متى وأنت تأكل هذه الأشياء؟ ردّ من الآن وصاعدا لأن هذا التلفزيون أبو 46 بوصة يشعرني بأنني في جراند سينما!! عندما تُذكّره بحادثة وقعت هذا الأسبوع ويكون ناسيا لها يسألها متى بالضبط حصل ذلك؟ هل قبل شراء التلفزيون أبو 46 بوصة أو بعد شراء التلفزيون أبو 46 بوصة؟ البشرية كلّها تؤرخ بـ (ق.م) و (ب.م) أي قبل الميلاد وبعد الميلاد، أما الحبيب فقد استحدت تاريخا جديدا (ق.ت) و (ب.ت) قبل التلفزيون وبعد التلفزيون.

بعد أسبوع كان يجلس في صالة البيت في غير المكان الذي يجلس فيه عادة لمشاهدة التلفزيون، أمامه علبة مكسرات مُشكّلة (على فكرة توجد علبة مكسرات مُشكّلة حاليا في الأسواق بدون فول سوداني لمن لا يحب الفول السوداني) لم يكن يأكل المكسرات بالطريقة الاعتيادية، بل كان يقذف بالحبّة منها إلى الأعلى ثم يلتقطها بفمه، إذا شاهدتم شخصا تجاوز الأربعين يأكل المكسرات بهذه الطريقة اعلموا أن مصيبة ستحل عليه بعد قليل، رنّ هاتف المنزل (يا حلاوة يا حلاوة.. بوادر مصيبة جايّه في الطريق، خلكم معانا ولا تخوزون) ولأن هاتف المنزل عادة من اختصاص ربّة البيت نهضت ورفعت السماعة:

-     عفوا هاد منزل الاستاز غانم؟

-     هي نعم انتي منو؟

-     احنا من (قسم خدمة قياس جودة البيع) من شركة الالكترونيات اللي اخدتوا من عنّا التلفزيون الجديد، بعد ازنك مدام بدّنا نسألك شي كم سؤال؟

-     تلفزيون؟! لا أختي انت مغلطة ما خذنا تلفزيون عنكم

-     أختي مو هاد منزل الاستاز غانم ورقم جواله بينتهي بــ 257

-     هي نعم

-     مزبوط ..قبل أسبوع الاستاز غانم أخد تلفزيون، هوّ عنده بيت تاني؟

-     بيت ثاني؟ لا أجلع عينه.. هذا اللي قاصر... غنووووووم ... يا غنوموووووه وين سرت؟

الهروب نصف المرجلة، ووقع ما لم يكن في الحسبان أبدا، الشركة التي اشترى من عندها التلفزيون اتصلت به على الجوال، وعندما لم يرد حصلوا على رقم هاتف منزله من استعالامات الدليل، لكنهم لم يعرفوا أن البيت الذي اتصلوا به هو بيت الزوجة الأولى، والتلفزيون الجديد ذهب به الأخ الكريم إلى منزل الزوجة الجديدة التي لم يخبر أحدا عنها، يا هي مصيبة الزمان!! راح فيها الاستاز غانم! وتم فيها بعد استاز غانم؟! إلا غنوم.

أخذت تبحث عنه في كل مكان، احتارت رجل بهذا الحجم وهذه الكرشة أين يمكن أن يختفي؟ بحثت في كل زاوية من زوايا البيت.. في الكبت، خلف الستائر، في حمام مجلس الضيوف، كأنه فص ملح وذاب، وفي الأخير لاحظت بروزا وانحناء في سرير النوم، الحبيب مختفٍ تحت السرير، وتلك الانحناءة بسبب كرشته التي لم يستطع شفطها، ومن تحت السرير أخذ يدعو على (خدمة قياس جودة البيع) التي كشفت السر الذي أخفاه زمنا، وكان بصحبته علبة كلينكس يمسح بها دموعة كلما تخيّل ماذا سيحل به عندما تكتشف مكانه.

-     غنوم.. اطلع أقولك اطلع.. انت متزوج يا (......) (حُذفت بأمر الرقابة)

-     والله كنت بقولج بس كنت أنتظر الوقت المناسب

-     وااااشقاج يا عفرا .. وي حسيبك الله ... إلهي يحرق قلبك شرات ما حرقت قلبي.. قول آمين

-     إذا قلت آمين بتوعديني ما تسوّين فيّ شي؟

-     اظهر عشان أراويك شو بسوّي فيك... اظهر يا... (تَ تَ تَ تَ تَ تَ تَ تَ تَ) (عبارات خادشة للحياء وغير مناسبة للأطفال)

ولم يخرج من تحت السرير إلا بعد أن استخدمت معه القضيب الحديدي الذي تُعلّق عليه الستائر (معشر الرجال تأكدوا أن القضبان الحديدية لستائر بيوتكم ليست لها أطراف حادّة ومدبّبة)

اليوم أصدقاء غانم قلقون على مصيره، لأن الأطباء أخبروهم بأن الإصابات التي تعرض لها تحتاح وقتا طويلا للتشافي منها، لا سيما وأنهم لم يستطيعوا معرفة الأدوات التي استخدمت في تعذيبه، الآلة الوحيدة التي عرفوها هي مضراب الهريس لوجود بقايا منه على جمجمته، واللون الأحمر على مؤخرة رأسه قد يكون لسلندر غاز من الحجم الكبير لكنهم لازالوا غير متأكدين من ذلك حتى الآن.

الدروس المستفادة من القصة:

·      لا تشتري أبدا من محل لديهم خدمة (قياس جودة البيع) عليكم بسوق نايف أرخص وأحفظ للاستقرار الأسري.

·      إذا كان حجمك ضخما وكرشك كبيرة ابحث عن مكان أفضل - غير السرير – للاختباء فيه.

الجمعة، 16 ديسمبر، 2011

عرس الجيران


بقلم: عبدالعزيز بن حارب المهيري

وضعتُ المخدة على أذني دون فائدة؟ الأصوات الصاخبة التي أسمعها أطارت النوم من عيني، تمنيتُ لحظتها لو كان عندي مكيف بيتنا القديم الوندوز، وقتها لم يكن اسمه مكيفا، كان يطلق عليه (كنديشن) لو كان موجودا لتكفّل بحل المأساة التي أعاني منها الآن، فهذا النوع من المكيفات –خاصة إذا كان من نوع اوجنرال- لم يكن يحجب الأصوات الخارجية فحسب، بل كان ينقلك إلى عالم آخر، يعني عادي جدا إذا نسيت أن توصي أحدا بإيقاظك فقد تستيقظ وتكتشف أن ابنك الذي كان في الروضة رُزق بحفيدك الثاني!!

فتحت نافذة الغرفة.. يبدو أن جيراننا يحتفلون بعرس (مبروك يستاهلون) نظرت لأتأكد من أن الفرقة الموسيقية غير موجودة في فناء بيتي، ومع هذا فالأصوات تُدوّي في كل مكان، ولكن ما ذنبي أنا أتعذب إلى ما بعد منتصف الليل؟ آلات العزف وأصوات الايقاعات ترجّ بيتي رجّا، هل سأضطر في كل مرة يقام فيها عرس في الفريج للقيام بصيانة التشققات في جدران بيتي؟ أظن والله أعلم لو استخدمت هذه السماعات في الحروب حتما ستُحدث نقلة نوعية في تاريخ البشرية.

المشكلة في حفلات الأعراس أن معرض الطيران أسبوع واحد وينقضي، وتستطيع أن تتكيّف معه، بينما أعراس الجيران طوال العام، ولا تعرف متى ومن أي جهة تأتي، أرجو أن لا يفهم من كلامي أني لا أريد للناس أن يفرحوا، حاشا لله.. العرس فرحة ولابد من إظهارها، لكن الذي آلم قلبي بالفعل هو أنهم لم يفكروا حتى بإرسال صحن عيش ولحم!! (وبيني وبينكم.. وبصراحة.. أنا وايد أحب العيش واللحم مال المعاريس، خاصة إذا كان من مطبخ لطيفة  الشعبي، ما شاء الله انتوا بعد يعيبكم؟ الله يسامحكم شهّيتوني.. أنا أحينه خاطري في العيش واللحم.. مالي خص.. الحين الحين الحين!!)

عمّي يا بيّاع الورِدْ.. عمّي يا بيّاع الورِدْ.. قِلِّي الورد زييييين قِلِّي.. هي الأغنية الوحيدة التي عرفتها من بين ما سمعت، كانت أغاني الفرقة من كل بقاع الدنيا، عربي على ايراني على عراقي على لبناني، أكاد أجزم أن اسم الفرقة "ما يطلبه المعازيم" ولو كنت موجودا هناك لطلبت منهم أن يغنوا (عَلِّ علِّ بطل فليد.. هيا طِرْ يا جريندايزر) إلا بالمناسبة لدي فضول في التعرف على الشخص الذي اكتشف مطرب الفرقة، يبدو أن لديه مهارات عالية في الإقناع والتأثير، وإلا بربّكم قولوا لي كيف يغني مثل هؤلاء؟ يبدو أنهم يستهلكون أوراق سنفرة كثيرة حتى يحافظوا على نشاز أصواتهم، ألا يعلم هؤلاء المطربون بأن تلويث البيئة عمدا فعل يعاقب عليه القانون.

باءت كل محاولاتي بالفشل، النوم يرفض أن يزورني ولو لدقائق معدودة، كم هو صعب النوم على أغاني صاخبة، الأغنية الوحيدة التي يمكن أن أنام عليها هي twinkle twinkle little star  وللأسف لا أحد في الأعراس يحب سماع هذه الأغنية، ظنّا منهم أنها أغنية خاصة بالأطفال، كيف التصرف الآن؟ خرجت إلى الصالة لا أنوي على شيء، تفاجأت بأن جميع أفراد العائلة مجتمعون، يعانون ما أعاني، يجلسون في وجوم ولا أحد يتحدث مع الآخر، ويبدو أن السهر أحدث عطبا في دماغ ولدي فصرخ قائلا: أنا تعبان أبا أرقد وين السحور؟!! بصوت واحد طلبوا مني أن أتصل بالشرطة .. ألو العمليات؟ أهلا أستاذ عبدالعزيز الدورية في طريقها إليكم. عفوا ولكني لم أقل لكم ما هي شكواي؟ كيف عرفتم بأني سأشتكي على جيراني؟ فردوا عليّ (ليش انته عندك شكوى غيرها؟ ولو سمحت لا تتصل مرة ثانية لأن الدورية جايه جايه اصبروا شوي) الشرطة مشكورة تحاول قدر استطاعتها إرضاء الجميع، فهم لا يريدون أن ينزعج الناس، وفي نفس الوقت يرون أن من حق الآخرين أن يفرحوا في أعراسهم، لا مانع فليفرحوا.. لكن ألا يوجد ساعة معينة يجب أن يتوقفوا عندها؟ ألا يوجد قانون يحدّ من هذا لإزعاج؟ ألا يعرف جيراني أن بإمكانهم امتصاص غضب الجيران بصحن هريس أو لقيمات على الأقل!! (ما يستوي يأذونّا وما يعشونّا).

أعلنت التحدي.. هم من بدأ الحرب فلينتظروا نتائجها (بايعنّها بايعنّها.. واللي فيها فيها) ماذا؟ أفركش العرس وأقلبه رأسا على عقب؟ لا طبعا.. أنا قصدي سأحاول النوم مرة ثانية، وشعاري في المرحلة القادمة:

سأنام يعني سأنام

رغما عن أنف الجيران

(لأنّه بكل بساطة أنا باجر عندي دوام)
عُدتُ إلى فراشي، أطرقت إلى سقف الغرفة وأنا أُشجّع نفسي بالقول: سأنام يعني سأنام، مازالوا يعزفون.. لا مشكلة، سأنام يعني سأنام، أعلنت التحدي ولن أتراجع، ولكن كيف سأنام على (يانا الهوى يانا، يانا من زنجبار..) يا للهول!! إيقاع هذه الأغنية ترقص عليه الجنّ، حتى لو جاء الهوى من هنولولو سأنام يعني سأنام، استمر العزف والدقّ لنصف ساعة أخرى، وأنا مطرق عيني، شيئا فشيئا بدأ عقلي يُكيّف نفسه مع ضربات الإيقاع، وبدأ النعاس يغشّيني بعباءته حالكة السواد (يا عيني على البلاغة) أخيرا تكرار الإيقاع الرتيب سيجلب لي النوم، هسسسس أرجو الهدوء النعاس يغازل جفنيّ، لماذا لم يعزفوا هذا الإيقاع منذ البداية حتى أنام عليه؟! أنا الآآآآن أحدثـــ..كم وأناااا ناااائــــ....م، ربما لن أستطيع أن أكمل معكم المقال فقد غلبني النوم تصبحون على ... ( لاااااااا ...  ليش وقفتوا الدق الله يسامحكم!!)